مقتطفات عن الهويات والشعارات

لماذا تُهاجم الهويات الجديدة؟

خلال بداياتي في تصميم الشعارات، بدأت أتعرف على مشاريع تجديد الهويات التي تقوم بها المؤسسات من حين لآخر، انطباعي الأولي كان في كل مرة هو الفيصل في حكمي على أي تجديد، لقد كنت أحكم على الهوية الجديدة بمقارنتها بالهوية القديمة وأيها أفضل من الأخرى. مع الوقت والممارسات والعمل والقراءة تغيرت نظرتي للأمر، ففي السابق كان انطباعي البصري الشخصي يشكل 100% من التقييم، أما الآن فقد تراجع هذا التقييم ليشكل 50-60% فقط.

السبب في ذلك يعود إلى طبيعة التغيير الذي تنشده المؤسسات في الغالب، فالمؤسسات التي تقوم بعملها بشكل صحيح، تكون قد مرت بمراحل عديدة مرتبطة بسياساتها واتجاهاتها والتي تحدد بشكل مباشر نوعية التجديد المطلوب. فإذا تخلت المؤسسة عن أيقونة معينة، فقد يكون السبب هو رغبتها في تغيير سلوك جمهورها، كون السلوك الحالي قد لا يناسب المؤسسة حتى وإن أحب الجمهور تلك الأيقونة، هناك مثال قريب قليلاً من هذا وهو تطبيق Airbnb الشهير لتأجير المنازل والغرف حول العالم، حيث استبدل شعاره الخطي الطفولي بأيقونة قوية ورصينة تمثل فكرة الانتماء، الأيقونة أيضاً تأتي على شكل حرف A وشكل القلب للدلالة على الانتماء الطبيعي الذي يحظى به مستخدموها للأماكن التي يزورونها من خلال تطبيقها، الشعار والهوية الجديدين قوبلا بتباين في الآراء، لكنها لم تكن حادة مثل هويات وشعارات أخرى، بل كان الانطباع العام أن الشركة بالغت في شرح الأيقونة الجديدة وكان الأفضل لها لو اكتفت بالقول أنه شكل جديد لحرف A.

شعار airbnb

مثال آخر كشركة ستاربكس – التي لا أحبها – لكنني أحترم جداً أنها حدّثت شعارها بتوضيح أن التحديث جاء بسبب توسعها إلى مجالات أغذية أخرى غير مجال القهوة، وطلبت من الجمهور اعطاء الشعار فرصة ووقتاً قبل الحكم عليه.

وأحيانا يكون التغيير هو توجه الشركة لأن تدفع الجمهور لرؤيتها بالشكل الذي ترى به نفسها، وهو أمر قامت به شركة أوبر مؤخرًا، حيث قامت بنفسها بتصميم هويتها الجديدة، وشارك في العملية الرئيس التنفيذي للشركة، ومع هذا فقط هوجمت الهوية الجديدة بشكل حاد، وتضاربت الآراء بشأنها وإن كان يغلب عليها الاستياء الشديد، فمن جهة يرى الرئيس التنفيذي أن الشركة قد خرجت من نطاقها الصغير الذي بدأت به قبل سنوات؛ ليتحول تطبيقها إلى ظاهرة عالمية في كل مدن العالم، ولهذا يتوجب ايجاد هوية تتماشى مع ثقافة سيارات الأجرة الجديدة بحسب كل مدينة وثقافتها. ومن جهة أخرى الهوية الثرية بصريا بدت غريبة على قطاع كبير من المستخدمين الذين اعتادوا على بساطة وهدوء الهوية.

شعار أوبر

لأمثلة كهذه وأخرى عديدة في البلاد العربية أو الأجنبية، بات مفهوماً لدي أن هناك – على الأغلب – دافع كبير للشركات في تغيير هويتها وشعارها، ويتطلب الأمر مني النظر أولاً في خلفية هذا التغيير قبل الركون إلى انطباع نهائي عن الشكل الجديد، أيضاً بدأت أعطي لكل تجديد الوقت اللازم حتى أعتاد عليه وأكتشف تدريجياً مميزاته وعيوبه.

الشعارات الذكية

لا يمكنني اعتبار هذه النوعية من الشعارات كتصنيف مستقل بذاته، فقد تنتمي بصريًا إلى أي تصنيف من التصنيفات السابق ذكرها، لكن يتوجب الحديث عنها هنا، كونها تلقى من الاهتمام الكثير لعبقريتها، وأيضا للنظرة المغلوطة تجاهها، فعربيا على الأقل هناك شبه إجماع على أنها المعنى الحقيقي للشعارات. وهذا – من وجهة نظري – خطأ.

دعنا أولا نشرح ماهي الشعارات الذكية، هي نوع من الشعارات التي تعرض فكرة المنتج بشكل ذكي جدًا، بحيث ما أن يراها المتلقي لأول مرة حتى تخطف ذهنه وعقله لمستوى الذكاء في التلاعب البصري بالأشياء، في الحقيقة تتطلب الشعارات الذكية قدرة كبيرة على التحليل البصري للمفردات والعبارات، ويندر أن تجد من المصممين من يقدم دومًا شعارات ذكية، فهي لا تتطلب الذكاء فقط، بل والقدرة على المحافظة على جمال الشعار.

المغالطة التي تحدثنا عنها؛ هي اعتبار الشعارات الذكية على أنها الكمال الذي يتوجب بالشعار أن يكون عليه، الأساس في تصميم الشعار كما سبق وذكرنا هو التعبير البصري القوي، قد يكون الشعار ذو فكرة ذكية لكن تنفيذه سيء، أو الفكرة أكبر من أن تختصر في شكل صغير بسيط، وقد يكون الشعار دون أي فكرة عبقرية، لكن تنفيذه جد متقن والرسم فيه متناسق وصغير وبسيط، وهو ما ينفي – أيضاً من وجهة نظري – عن الشعارات الذكية فكرة الأفضلية عن بقية التصنيفات، في النموذج المعروض هنا شعار عملت عليه لأحد المقاهي باسم قهوة، وهو ينتمي للشعارات الذكية، حيث تم تشكيل كلمة “قهوة” من خلال تفكيك حروفها وتحويل كل خرف ليشبه حبة البن، ويصبح بالتالي شعارا متكاملا يترجم بشكل مباشرة اسم وفكرة المقهى “قهوة”.

شعار قهوة

الأساليب المختلفة:

من بين التحديات أيضا التي تواجه مصممي الشعارات، أن فن تصميم الشعارات يختلف بشكل بسيط عن بقية الفنون البصرية،حيث أن الابقاء على أسلوب معين في تصميم الشعار هو خيار غير متاح للمصمم، وعليه الخروج في كل مرة عن دائرة الأمان التي يعمل فيها، بتجربة أساليب فنية جديدة في كل مرة.

جربت هذا التحدي في مكتبنا في شركة العلامة للتسويق على هوية لشركة متخصصة في انتاج الرخام تدعي The Quarry (المحجر). كان مؤسس الشركة راغباً بشكل قوي في تجسيد المحجر ضمن خيارات الشعار والهوية البصرية، ولذلك كانت بدايتنا تدور حول مكعب الرخام نفسه، أو بتمثيل مبسط لجبال الرخام، لكن عددًا من الخيارات لم يكن موفقًا كثيراً، إلا أن فكرة تجسيد المحجر في شعار كانت ترتبط لدي بشكل غير مباشر بشعارات الأختام الرسومية، والمعتمدة بالأساس على أسلوب السكراتش بورد عند وبعد التحبير.

لقد كان الانطباع العام لدينا من خلال الحديث مع مؤسس الشركة، أنه مغرم بشعارات الشركات العائلية التي صممت قبل قرن من الآن ولا تزال محافظة على رونقها وجمالها بل ازدادت قيمتها البصرية، ولذلك بدى لنا هذا الأسلوب في الرسم مغريا جدا لاستخدامه في الشعار. وباعتمادنا على صورة للمحجر أرسلها العميل بدأنا في رسم تصورنا للمشهد الذي قد يبقى مع الشركة لعقود طويلة. وبعد مراحل طويلة في الرسم والتبسيط واعادة المحاولة وصلنا إلى الرسم النهائي للشعار، وقد أعجب به العميل.

شعار المحجر

وفي محاولة للرجوع إلى أسلوبي في تصميم الشعارات، المتأثر بالبساطة، أعدت رسم نفس الفكرة بشكل بسيط جداً، وهنا أستطعت أن أجمع بين أسلوب جديد في التصميم وأسلوبي الخاص.

عن الكاتب

فنان مستقل، مصمم غرافيك، ومدون مهتم بالشعارات والهويات البصرية.

(5) تعليقات


  • موضوع بلا شك أضاف لي الكثير في المجال وجعلني اطرح تساءلات واسعة فيه , لكن موضوع التجديد وبحكم اني أميل كثيرا الى الناحية الجمالية والإتزان فيه أكثر من اي شيء ارى ان التجديد في الهويات العالمية ومثل ماتحكي حتى يتماشى مع استراتيجية الشركة ذكرني باحد شركات السيارات العالمية تعاني بأنها تريد أن يرتبط اسمها بالقوة أكثر من الامان لكن الناس او الجمهور المستهدف عكس ما تريد الشركة يراها امان فقط وهذا مبرر مهم جدا لكن أن يتحول الشعار الى ايقونة غريبة لا سهلة في التذكر ولا هي تعكس نشاط الشركة فهذا مشكل في المثال لشركة
    اير انب كانالتغيير موفق ولكن في نماذج اخرى سيء جدا
    واما الاساليب التي طرحتا انت وخاصة بالعلامة انا اول مارايت الشعار حسيت بانه هذا هو المطلوب والذي يريده الزبون العربي خلنا نقول كان التنفيذ جيدا جدا فهنا هو المراد من جهتنا على الاقل


  • باسل موسى

    مقالة ممتعة و مفيدة, أؤيدك في رأيك حول أن الشعار لا ينبغي أن يكون ذكياً دائماً لأن في هذا تكلف و سيحاول المصمم إقحام فكرتين او أكثر في شعار المفروض أن يكون غالباً في مساحة صغيرة مما سينعكس على جودة و جمالية الشعار


  • فيافي البارونه

    المقال اكثر من رائع


  • نور

    مقال جدا مفيد ورائع 👍🏾



اضف تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة تتميز بـ *


يمكنك استخدام HTML وسوم واكواد : <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>